ابن قتيبة الدينوري
556
الشعر والشعراء
حيث يراها ، ويتنحّون عنه ، فإذا رأها أتاها فألقى ما عليه ثم لبسها . قال : فسألتهم أن يدلَّونى عليه لآتيه ؟ فدلَّونى على فتى من الحىّ ، وقالوا : لم يزل صديقه ، وليس يأنس بأحد إلا به ، فهو يأخذ أشعاره فيأتينا بها ، فأتيته فسألته أن يدلَّنى على ما أحتال به للدنوّ منه ، فقال : إن كنت تريد شعره فكلّ شعر قاله إلى أمس فهو عندي ، وأنا أذهب غدا ، فإن كان قال شيئا أتيتك به ، قال : فقلت له : لا ، بل تدلَّنى عليه فآتيه ، فقال : إن نفر منك تخوّفت أن ينفر منى فيذهب شعره ! قال : فأبيت إلا أن يدلَّنى عليه ، فقال : نعم ، اطلبه في هذه الصحارى ، فإذا رأيته فادن منه مستأنسا ، ولا تظهر النّفار منه ، فإنّه يتهدّدك ويتوعّدك ، وبالحرى أن يرميك بشئ إن كان بيده ( 1 ) ، واجلس كأنّك لا تنظر إليه ، والحظه ببصرك ، فإذا رأيته قد سكن أو عبث بيده فأنشده شعرا ( 2 ) إن كنت تروى لقيس بن ذريح شيئا ، فإنّه يعجب به . قال : فخرجت أدور يومى ، فما رأيته إلا بعد العصر جالسا على قوز من رمل ( 3 ) ، قد خطَّ بإصبعه فيه خطوط ، فدنوت منه غير منقبض منه ، فنفر واللَّه منى كما تنفر الوحش إذا نظرت إلى الإنس ، وإلى جانبه أحجار ململة ، فتناول واحدا منها ، فأقبلت حتّى جلست إليه ، ومكث ساعة وكأنّه الشئ النافر المتهيّىء للقيام ، فلما طال جلوسى سكن وأقبل يعبث بأصابعه ، فنظرت إليه ، فقلت : أحسن واللَّه قيس بن ذريح حيث يقول : وإنّى لمفن دمع عينىّ بالبكا * حذار الَّذى لمّا يكن وهو كائن وقالوا : غدا أو بعد ذاك بليلة * فراق حبيب لم يبن وهو بائن
--> ( 1 ) يقال « بالحرى أن يكون كذا وكذا » بفتح الحاء والراء مقصور ، أي جدير وخليق . ( 2 ) في الأغاني « فأنشده شعرا غزلا » . ( 3 ) القوز من الرمل ، بفتح القاف : الكثيب المشرق المستدير ، تشبه به أرداف النساء .